من الحوليات الليبية

من الحوليات الليبية

كانت طرابلس منذ حوالي اثنتي عشرة سنة تحت حراسة تلك الحامية الصغيرة. عندما سری في سنة 53 5 ه )158 1 م( نبأ يقول أن أميرا حفصيا هو الأمير عبد المؤمن بن علي السليمي قد استرجع مدينة تونس من النصارى، وأنه كان في طريقه إلى طرابلس لإعادتها إلى حظيرة المسلمين
فشعرت الحامية الصقلية بأنها لن تستطيع الدفاع عن نفسها بنفسها، فعرضت على الأهالي أن ينضموا إليها وأن يوحدوا جهودهم إلى جهودها ل لتصدي لعبد المؤمن. غير أن هؤلاء بدلا من أن يستجيبوا لهذه الدعوة، انتهزوا هبوط ظلمة الليل وانقضوا على الصقلي ين وذبحوهم هم وجميع النصارى الذين كانوا متواجدين بالمدينة. وبعد هذه الأحداث وصل عبد المؤمن إلى أبواب طرابلس، فتوجه الوالي أبو يحيى بن مطروح التميمي وبصحبته الأعيان للقياه، واستقبله مبايعا ، بكل مظاهر الفرحة، وأدخله المدينة وسط جماهيرها المتراصة التي هرعت بدورها للقياه . وثبت عبد المؤمن الوالي أبا يحيى في منصبه، ثم عاد أدراجه إلى عاصمته فاس)1(, وكان أبو يحي التميمي رجلا حكيما، ذكي وراجح العقل كثيرا؛ ولقد ظل يقبض على
مقاليد الحكم برضى الجميع حتى بداية خلافة أبي زيد بن أبي حفص محمد بن عبد المؤمن. وهنا أذن له هذا الأمير بقضاء فريضة الحج حيث توفي بمكة المكرمة . بيد أن الحفصي ين لم يكونوا يعيرون اهتماما كبيرة لوضع الجيش، كما كانوا أقل اهتماما بأحوال رعيتهم وبشأن العقيدة الإسلامية التي لم يكونوا يرجعون إليها إلا لخدمة أغراضهم الشخصية. زد على ذلك أن معظم القبائل، وخصوصا قبيلة بني هلال)2( الكثيرة العدد التي كانت محل احترام كبير لشجاعة أفرادها، لم تعترف بسلطة هؤلاء الخلفاء واستمرت تناصبهم العداء . واستمر نضالها إلى أن ضعفت سلطة الحفصيين كثيرا وإلى أن كاد أنصارهم يتخلون عنهم تماما . ونتيجة لذلك فإن صلاح الدين الأيوبي، الكردي الأصل والذي كان يحكم مصر في تلك الأثناء، قد أرسل إلى طرابلس مملوكه المخلص شرف الدين قراقش. وسرعان ما استتب لهذا الم ملوك الفظيع، الذي كان يخرب وينهب كل ما يمر عليه في طريقه، أمر ولايات أفريقيا، حيث اعترفت بزعامته القبائل المتمردة على الحفصيين التي كان يترأسها الشيخ مسعود بن زمام أحد أمراء الهلاليين. وهكذا فإن قراقش، وقد عزز قواته على هذا النحو، وصل إلى طرابلس مصحوبة بمناصريه الأشداء؛ فاستولى عليها في سنة 568 ه ( 1172 م) في أعقاب حصار قصير. وما أن وقعت هذه المدينة بين يديه حتی سهل عليه مواصلة فتوحاته. فاستولى على تونس والجزائر وعلى آخر عدد من مدن المغرب. غير أن انتصاراته المتعددة سرعان ما نفخته بغطرسة الفاتح وأوحت إليه بالرغبة في تلقيب نفسه بلقب أمير للبلدان التي أخضعها. ولكي يحقق مطامعه ويضعف سلطة سیده وحامیه صلاح الدين الأيوبي، فإنه وجه رسولا إلى بغداد للاتصال بالخليفة العباسي طالبا منه
منحه هذا اللقب . وأولد الخزي الذي لطخ اسم قراقش، بسبب فعلته الخاطئة، لدي يعقوب بن يوسف الحفصي، ملك فاس، الرغبة في استغلال هذا الظرف لإشباع المطامع التي كان يغذيها تجاه البلدان التي استولی عليها هذا المملوك. وهكذا فإنه أعد عشرين ألف مقاتل وتوجه على رأسهم
إلى مدينة تونس فنزل بها. وبعد ذلك توجه ستة آلاف منهم مع ابن أخيه المقاتلة قراش الذي كان طريق استدراجها إلى كمين منصوب. فأمر الأهالي بألا يبدوا أية مقاومة في وجه رجال يعقوب ا الحفصي. بل وأن يستقبلوهم بأقصى مظاهر البهجة، وبأن يوحوا إليهم بأنه قد انسحب مع أنصاره إلى مدينة الجزائر منذ عدة أيام. وهكذا فإن الأهالي تركوا جنود يعقوب الحفصي تحتل ترابهم. ولكن ما أن وصل هؤلاء إلى قلب البلاد حتى انقض قراقش عليهم وشرد فلولهم. ولقد أثارت هذه الواقعة حفيظة يعقوب، الذي قام في لحظة غضبه بتسليح كل ما تبقى لديه من الجنود، وألقي بنفسه على مدينة قابس التي كان يتواجد بها الجزء الأعظم من قوات قراش، فأفناها. واستولی على كل ما كان في حوزة عدوه وسبي نساءه وأطفاله الذين فاجأهم في هذه المدينة ، وقادهم إلى مدينة فاس ومعهم الغنائم الهائلة التي استولي عليها. وعندما شاهد الجزائريون هزيمة رئيسهم اضطروا إلى مبايعة يعفوب. أما قراش، وقد أجبر على إلقاء السلاح، فإنه أعلن خضوعه. شريطة أن تعاد إليه نساؤه وأطفاله، وأن يسمح له بالانسحاب إلى مدينة تونس مع أسرته . وعندما استعاد يعقوب الحفصي على هذا النحو مقاليد الحكم في طرابلس الغرب، فإنه رجع إلى مدينة فاس في سنة 568 ه ( 1190 م). وتظاهر قراش بالرغبة في الالتزام بالتعهدات التي قطعها على نفسه منسحبا إلى مدينة تونس. وأقام بها قليلا من الوقت، ثم أخذ جنوده، الذين كانوا قد تشت توا، يعودون في الالتفاف حوله شيئا فشيئا؛ وسرعان ما وصل عددهم إلى نصف عدد القوات الأصلية التي سبق له وأن ترأسها. وأخيرا فإنه، وقد تمکن بخداعه ومكره من أن يصرف عن نفسه انتباه سكان تونس، غادر هذه المدينة خفية ومعه أنصاره واجتاح منطقة قابس. فحاصر هذه المدينة حتى استسلمت له ، ومنها توجه إلى طرابلس فأحتلها هي الأخرى. وقد شيد على بعد مسيرة ساعة ونصف إلى الغرب من هذه المدينة قصرا من الأحجار المقصوبة أطلق عليه اسم، يطلق على المنطقة التي بها بقايا هذا القصر اليوم اسم قصر قرقارش«.
وبعد أن حشد قراش حوله قوات جديدة بدأ الحرب مرة أخرى. وكان قد أوكل أمر حكومة منطقة الجريد إلى المدعو يعقوب، وذلك في أعقاب صعوبات نشبت بينه وبين يحيى بن إسحاق الميورقي الذي كان واليا لبلاد الجريد منذ أيام الحفصي ين، ثم خرج عليه على رأس قوات كبيرة المقاتلته تقابل جيشا قراقش ويحيى الميورقي في بقعة مهجورة تسمی وادي محسن، وهو ما يعرف اليوم بـ وادي الهيرة 19(، على بعد مسيرة ثماني عشرة ساعة من مدينة طرابلس. وكانت المعركة حامية الوطيس ، فسرت ت شوكة جيش قراش الذي اضطر إلى الهرب تجاه الجبال. وبعد أن طارده يحيي المورقي عدة أيام عاد متوجها إلى طرابلس. غير أن ياقوت الافتخار - نائب قراقش - تصدى له بمقاومة عنيفة، الأمر الذي جعله يلاقي صعوبات جمة في الاستيلاء علي طرابلس. بید أن إمدادات وصلت إليه من الأندلس ومكنته من التضييق على المدينة تضيقا شديدا ، إلى أن استولى عليها سنة 599 ه )1202 م(. وهكذا فقد أصبح الحفصيون أسيادة على طرابلس للمرة الثالتة.