الإدارة العسكرية البريطانية في برقة و طرابلس

الإدارة العسكرية البريطانية في برقة و طرابلس

مذكرات و يوميات موظفين في الإدارة العسكرية البريطانية في برقة و طرابلس تحكي:

قصة تنصيب الإنجليز لإدريس ملكا على ليبيا و إنشاء دولة عميلة على غرار النموذج الأردني

طلبات إدريس التي لا تنتهي للأموال من الإنجليز

التلاعب بأول انتخابات برلمانية سنة 1852م و استخدام كل الوسائل لانجاح الموالين للانجليز فيها

-------------------

مراجعة كتاب

عملية ادريس: من داخل دهاليز الإدارة العسكرية البريطانية في برقة و ليبيا، 1942 إلى 1952م

تأليف: ريتشارد سنج

صادر عن: جمعية الدراسات الليبية، لندن، مايو 2015م

248 صفحة.

-------- هذه المراجعة بقلم (رسل ماكجويرك) – الزميل بالجمعية الجغرافية الملكية – نشرت في مجلة دراسات ليبية –المجلد 46 عدد نوفمبر 2015م، صفحة 174-175

يحكي هذا الكتاب الشيق المفيد قصة الإدارة العسكرية البريطانية (BMA) في برقة خلال الفترة الممتدة من معركة العالمين إلى حين إنشاء دولة ليبيا المستقلة تحت حكم الملك محمد إدريس السنوسي.

المؤلف هو ابن (بيتر سنج) الذي كان طيلة خمسة سنوات عضوا في فريق الإدارة العسكرية البريطانية. و محتوى الرئيسي لهذا الكتاب هو من صياغة الابن معتمدا على اليوميات التي سجلها الأب في حينها و المذكرات التي كتبها لاحقا في حياته.

الأب (بيتر سنج) نقل من ليبيا سنة 1947م فب أعقاب ترقيته من (معاون ضابط سياسي) إلى درجة (سكرتير سياسي) و لحسن الحظ فإن خليفته في الوظيفة (جارفيس كاسلز) ترك لنا مذكراته، المكتوبة بعناية و هي تغطي بقية الفترة الممتدة إلى قبيل استقلال البلد بقليل.

النصوص الثلاثة مجتمعة تقدم لنا القصة الشيقة للإدارة العسكرية البريطانية و التي كانت حتى صدور هذا الكتاب طي النسيان.

الابن (ريتشارد سنج) يقدم لنا السياق التاريخي العام و في غضونه يرفع الستار عن استراتيجية ما بعد الحرب البريطانية المتعلقة بليبيا.

المقدمة كتبها فقيه الشئون الليبية الباحث بجامعة كامبردج (حيسون باك).

برقة أثخنتها الحرب و البنية التحتية التي بناها الإيطاليون في العشرينيات و الثلاثينيات تدمرت، و كان على الإدارة العسكرية البريطانية أن تأخذ بزمام الأمور و أن تعيد سير العمل في الولاية، التي كانت فيها حالة الاتصالات و المواصلات مزرية، فالطرقات الرئيسية كانت غير صالحة للاستعمال، و الجسور مقصوفة، و خطوط الهاتف و التلغراف مقطوعة علاوة على مخلفات الحرب و الأسلحة التي كانت مبعثرة في أرجاء البلاد، و الموانئ التي كانت معطلة بسبب حطام السفن الغارق فيها، ناهيك عن الحياة الاقتصادية التي كانت مشلولة.

(بيتر سنج) كان واحدا من بين 27 رجلا فقط اختيروا في تلك المرحلة ليشكلوا الإدارة العسكرية البريطانية، ليجدوا انفسهم، دون معين، يتعاملون مع وضع لم يسبق لهم أن خبروا مثله، و كان عليهم معالجة ذلك الكم الهائل من المشاكل و تدبير حلول لها.

كان عليهم تنظيم إمدادات الغذاء و القيام بوظائف القضاء و تنسيق أعمال الصيانة و الإشراف على جمع مخلفات الحرب المبعثرة في ربوع البلد، و محاولة الحفاظ على الأمن.

تسليتهم الوحيدة كانت الكحول و أشواط لعب الورق التي لا تنتهي، و مباريات لعبة الرجبي بين الفينة و الأخرى.

و بينما كان رجاله يتجارون من مهمة إلى أخرى، كان رئيس الإدارة العسكرية البريطانية العميد (دونكان كمينج) يركز جهوده على تحقيق المصالح البريطانية و تحديدا على إرجاع الزعيم السنوسي شديد الغرام بالإنجليز محمد إدريس من المنفى في مصر، بهدف جعل ليبيا دولة عميلة للإنجليز، و هو ما كان يعتبر ذا أهمية كبرى في ظل نفوذ إنجليزي في مصر آخذ في الانحسار.

(بيتر سنج) كان جزء من ترتيبات أول زيارة يقوم بها إدريس إلى برقة في صيف 1944م منذ مغادرته لها قبل 20 عاما.

و الظاهر أن هذه الزيارة قد أدخلت من السرور على الإنجليز و البرقاويين أكثر مما أدخلته على إدريس نفسه، الذي كان كثير التذمر من ترتيباتها و بدا تواقا للعودة إلى منزله في مصر، ففي واحدة من اللقطات العجيبة كان إدريس يشعر بالبرد (في عز الصيف – أغسطس!!) إلى الحد أنه أراد الرجوع فورا إلى القاهرة، مما خلق أزمة لم يحلها سوى قيام (بيتر سنج) بإعارة إدريس بعض من ملابسه الشتوية.

و مع مرور الوقت أدى تزايد المشاعر الوطنية الليبية إلى تعقيد الخطط البريطانية، ففي برقة كانت الشقة تزداد تباعدا بين أتباع السنوسية و بين جناح المثقفين المفوهين المناهضين للاستعمار، و بالتالي مناهضين للإدارة العسكرية البريطانية. و على مستوى البلد كان هناك عدم الاتفاق التقليدي بين الطرابلسيين و البرقاويين.

عندما غادر (سنج) نهائيا في أكتوبر 1947م قدم تقريرا رصد فيه موقفا يتزايد صلابة ضد الإدارة العسكرية البريطانية و تغيرا في المشاعر اتجاه بريطانيا العظمى.

إدريس رجع نهائيا إلى برقة في نوفمبر 1947م، و في 1949م أعلن من جانب واحد (باعتباره أميرا للمقاطعة) استقلال برقة، بموافقة ضمنية من وزارة الخارجية البريطانية.

و بالطبع لم يكن هناك استقلال عن النفوذ القوي لوزارة الخارجية البريطانية، إلا أن الأحداث كانت تتغير بسرعة، فالنقاش حول مستقبل ليبيا في الأمم المتحدة آخذ في الاتساع، و في سنة 1951م و برعاية الأمم المتحدة تم دمج برقة (المستقلة) في ليبيا (المستقلة) التي كان للإنجليز فيها نفوذا قويا طاغيا.

و يختتم الكتاب بمذكرات (جارفيس كاسلز) التي تقدم سردا رائعا لتحضيرات انتخابات البرلمان الليبي الجديد التي تقرر إجراؤها في فبراير 1952م.

الحكومة المصرية تحت حكم الملك فاروق كانت تدعم بقوة حزب المؤتمر الوطني الطرابلسي الذي كان حزبا حذرا من الأجانب و معاديا للغرب بالتأكيد.

المؤتمر الوطني الطرابلسي كان مصدر قلق عظيم للإنجليز، و (كاسلز) نفسه كان مكلفا بتسيير الانتخابات، و صدرت له التعليمات بأن تكون نتائجها في صالح الليبيين الموالين للإنجليز و في صالح الحكومة الإنجليزية، و له في ذلك "استخدام كل الوسائل، ما عدا القتل"، و يفترض أن العبارة الأخيرة كانت من قبيل المزاح، إلا أن (كاسلز) لا يستطيع الجزم بذلك.

لن أضيف أي شيء اخر عدا القول بأن القصة انتهت نهاية سعيدة و أن (كاسلز) خرج منها خروج الشعرة من العجين دون أن يُمسك عليه شيء.

لقد استطاع المؤلف (ريتشارد سنج) أن يلم شعث العناصر المختلفة لهذه القصة فسبكها سبكا ممتازا يستحق عليه التهنئة، و اجتهد في البحث التاريخي ليستكمل ما نقص في المصادر الرئيسية الثلاثة.

و بالمجمل فإن الكتاب يقدم مادة جيدة جدا تسلط الضوء على جانب كان مهملا من التاريخ الليبي.